حرر فلسطين
الطريق إلى المدرسة في فلسطين
 
الشهيد فارس عوده 

الشهيد فارس عوده

سلاما عليك ايها الشهيد البطل..
سلاما عليك وانت تقر عينا مع النبيين والصديقين والشهداء..
سلاما عليك وانت تنتزع استقلال فلسطين باظافرك الصغيرة..
سلاما عليك وانت تنزع الخوف من قلوبنا نحن الكبار..
وسلاما عليك يوم ولدت..ويوم استشهدت..ويوم تبعث طفلا فلسطينيا!!  

 

 

ودّع أمه صبيحة استشهاده قائلاً "خاطرك يا أمي.. أعدك بأن أذهب الى المدرسة"
زيارة الى منزل فارس عودة.. شهيد الدبابة
والدة الشهيد: فارس كان يشتري بمصروفه بنزيناً ليصنع به زجاجات المولوتوف

 

* عندما كنت في الضفة الغربية لفت نظري صورة كبيرة "بوستر" معلقة في عدد كبير من المحلات والبيوت والشوارع لطفل يمسك حجراً ويواجه دبابة ويبدو من الصورة انها انحرفت قليلاً عن مسارها واكتشفت ان الصورة منتشرة هناك اكثر من صورة محمد الدرة. وبدون ان أسأل يقولون هذا فارس عودة شهيد الدبابة. وعلى طريقة فيلم حكايات الغريب تعددت الروايات عن مسقط رأس فارس فمن قائل انه من الضفة ومن قائل انه من غزة وكان السبب انهم في كل منطقة يعلقون صور شهدائها على الجدران لكن صورة فارس عودة امام الدبابة انتشرت في كل الضفة الغربية وقطاع غزة لدرجة انه تعددت الروايات عن بطولته ومسقط رأسه.. وبعد بحث عرفت انه من غزة فتوجهت اليها بعد ان عرفت انه استشهد بعد التقاط هذه الصورة له وبثها في معظم وسائل الإعلام ونشرها في الصحف العربية والعالمية وحتى في غزة كانت الصورة اشهر من اهتدى الى بيته بسهولة فمن قائل انه من المنطار ومن قائل انه من (نتساريم) وهي الاماكن التي كان يظهر فيها ليواجه الإسرائيليين ووصلت اخيراً في ليلة مطيرة الى منزله بحي الشجاعية. واعتذرت لأهله عن اني لم آت فقط لأداء واجب العزاء ولكن لأسباب مهنية ايضا لأن الهدف ان ننقل هذه القصص لكي يعرف العالم ما يجرى على ارض الواقع ولكي يحس الجميع ان من راحوا لم يذهب دمهم هباء وردت امه بكلمة واحدة الحمد لله.

"الانتفاضة الاولى"

سألت والدته في البداية عن طفولة فارس فقالت: في الانتفاضة الاولى وقبل ان تدخل السلطة الوطنية الى غزة كان فارس عمره 7سنوات وكان يشارك في الانتفاضة ويلقي الحجارة واقول له الحجر ما يعمل شيئا فيرد "حجري قنبلة وبيفجر اليهود تفجير" وكان يشارك في اشعال النيران وعمل المتاريس ويجري وراء الملثمين المستعربين وكان يخزن إطارات الكاوتشوك في المنزل وعندما يرى جندياً إسرائيلياً يخرج الكاوتشوك ويشعل فيه النيران ليعمل متاريس امام الدار وكنا نسكن على طريق اسفلتي رئيسي وهو شارع صلاح الدين وكان الجنود الإسرائيليون يراقبون فارس بالكاميرا فيدخلون بيتنا ليضربونا انا وابوه واخوته وكثيراً ما فعلوا ذلك ثم يلقون بالإطارات المحترقة الى داخل الدار ويضربون ابوه ويهددونه لمنع فارس من عمل المتاريس وبسبب ذلك اضطررنا الى ترك منزلنا والانتقال الى آخر في منطقة داخلية بعيداً عن تواجد جنود الاحتلال الذي كان يستفز فارس.

كان معنا السيد ماهر ابو كرم أحد مسؤولي حركة (فتح) في منطقة الشجاعية وكان يعرف فارس منذ طفولته فتدخل في الحديث قائلاً: في الانتفاضة الاولى كان فارس يأتي لي ويريد ان يشارك فأقول له انت صغير فيغضب فأعطيه منشورات وبيانات الحركة ليقوم بتوزيعها وكان يفعل ذلك بمنتهى الجدية والحماس.

ولم يكن طفلاً عادياً بل كان داخله كمية غضب هائلة ضد جنود الاحتلال الإسرائيلي ولم يكن يخاف بل انه كان مندفعاً بطريقة تدفعنا لمحاولة منعه من المشاركة خوفاً عليه.

أول يوم انتفاضة

يقول سعيد عواد الشقيق الاكبر للشهيد فارس في اول يوم اشتعلت الانتفاضة سار فارس مع اخواننا جميل ومحمد ورفاقهم الى المسجد الاقصى للدفاع عنه بعد تدنيس شارون له وشاركوا في المظاهرات في القدس المحتلة اعتقلته الشرطة الفلسطينية في غزة مع شقيقيه جميل ومحمد واتصلوا بنا فذهبت لاخراجهم فسألت الضابط المسؤول لماذا امسكتموهم فقال لي لأن فارس كان يحاول العبور لليهود من السلك الشائك عند مستعمرة (نتساريم) وكانوا يطلقون النار بكثافة فخفنا عليه وامسكناه.

وفي الاسبوع الاول للانتفاضة قال له أحد الجنود الإسرائيليين "روح لأمك" انت طفل صغير ماذا أتى بك هنا فما كان من فارس الا ان جرى وراءه بحجر فهرب منه وفارس يصرخ "انت من جابك هنا هادي ارضي".

صفاته الشخصية

وعن صفات فارس الشخصية تقول امه: كان حنوناً اذا اشترى شيئاً لا يأكل منه الا بعد اخوته وكان حنانه عليّ اكثرمن اخوته ويسألني دائماً عما اريد ويحضره لي وكانت له معزة خاصة في قلبي بسبب حنانه الزائد. ولم يكن طفلاً عادياً بل كان شقياً يقفز من اماكن مرتفعة ولذلك كنت اخاف عليه اكثر من اخوته وكان جريئاً وشهماً ولم ار في مثل سنه تلك الجرأة فكان ابوه يرسله بعد منتصف الليل لشراء حاجاتنا بعد ان يطلب من اخوته فيقولون انهم خائفون ويجد فارس يقوم ويذهب وحده لاحضار ما نريد ولا يخاف.

وبعد استشهاد فارس ب 8ايام تأخر اخوه محمد في العودة وكان ابوه نائماً. فسمع صوت الجرس فنادى وهو نائم "فارس ابني انزل افتح لأخوك وذهبت لابوه وقلت مالك يا ابو سعيد فقال قولي لفارس يفتح لاخوه فنبهته وقلت له وحد الله واتشهد فارس شهيد الآن".

واليوم طفل من دار سعد في الشجاعية قال لي من يوم استشهاد فارس في المنطار ماعدنا نذهب فقد كان يقودنا لهناك واصبحنا نخاف بدون فارس لأنه كان دائماً في المقدمة واحاول ان امنع اخوته من الذهاب للمنطار وعندما يخرجون للباب اكون وراءهم لكنهم ذهبوا من ورائي للمنطار مرتين بعد استشهاده. وتكمل امه كان فارس يحفظ اغاني الانتفاضة ويرددها ويجلس على الشباك ويسمع صوت اطلاق النار في المنطار فيقفز من مكانه ويقول هذا اشتباك او رصاص حي او مطاطي وهذه قنبلة غاز او قنبلة صوت. ومرة قال "آه يا أمي لو معكي فلوس تشتري لي سلاح" اسأله.. انت بتعرف في السلاح يا فارس فيقول لي سأتدرب عليه وانا ارى السلطة الوطنية وهم يستخدمون السلاح وسأتعلم منهم واكتشفت انه سجل اسمه في المتطوعين الذين يرغبون في التدريب على السلاح ولم اعرف ذلك الا بعد استشهاده من اعضاء تنظيم (فتح).. وأحدهم كتب في فارس قصيدة طويلة نشرتها الصحف الفلسطينية.

حكايات فارس في المنطار

هل صحيح ما تردده وسائل الإعلام الإسرائيلية انكم تدفعون ابناءكم للمواجهات لتصعيد الانتفاضة والحصول على مكاسب سياسية؟

تتنهد والدة فارس قبل ان تقول: فارس اعتاد كل يوم الا يستمر في المدرسة اكثر من 3حصص وفي الفسحة يهرب الى تل المنطار وهي منطقة المواجهة الشهيرة في غزة وفارس كان ذكياً يستوعب دروسه من شرح المدرس ورغم انه لم يكن يحضر اكثر من الحصة الثالثة الا ان درجات امتحان الشهر الذي حضره تشير الى تفوقه لكن الانتفاضة بدأت مع بدايات العام الدراسي ومنذ اشتعلت الانتفاضة وهو لا يذاكر ولا يأكل وكثيراً ما تشاجرت معه ولكنه كان عنيداً واقول يا فارس ذاكر لتصبح ضابطا كما تريد وتحارب اليهود فيقول لي لن احتاج للمذاكرة، انا اكبر من ضابط وحجري امر من القنبلة ولا اخاف ولا اهاب الجندي اليهودي وبعث لي مدير المدرسة وقال لي فارس يهرب من المدرسة ويذهب للمنطار وكل يوم اظل مرتدية ملابسي ومن البيت للمنطار الى مستعمرة (نتساريم) بحثاً عنه واحياناً امسكه واحيانا يهرب مني عندما يراني ويعود الى البيت قبلي ويقول لوالده لم اكن في المنطار فقد عدت وامي لم تعد.. وتضيف امه: لم اكن اقدر على فارس الذي كان يستفزه منظر الدم في التلفزيون واذا رأى مصاباً او شهيداً يصيح كالمحموم وتغلي الدماء في عروقه ويقفز ويختفي من امامي وعدة مرات جريت وراءه في الشارع وهو حافي القدمين لأمسكه وعندما يختفي من امامي اعرف مكانه دون سؤال أحد فأرتدي ملابسي واذهب للمنطار. وكنت دائما احاول تهدئته فيقول: "اليهود بيضربوا فينا.. اليهود عبروا على الاقصى والاقصى لنا ولابد نأخذه".. اقول "له يافارس انت صغير سيب الاقصى للكبار".. فيقول "الكبار ما بياخدوا شيء احنا الصغار بناخده احنا هنجيب كل ما اخذه اليهود" واقول له يافارس الإسرائيليون هوايتهم الاصابات التي تجعلك عاجزاً او مشلولاً فيرد انه لن يصبح عاجزاً او مشلولاً. وبرغم كل محاولاتي معه لم اتوان عن الذهاب الى المنطار يومياً لاحضاره وبعد ان احضره يضربه ابوه بشدة فيغلق على نفسه الحجرة بالمفتاح ويصيح لابوه.. "لو كسروا عظامي مش خايف ولو هدوا البيت مش خايف" ويغنيها لابوه وهو يدبك "يمارس رقصة الدبكة".. ويقول "انت تضربني وان كل يوم رايح على المنطار".

ومن كثرة ضرب ابيه له اقول انه لن يذهب للمنطار بعد ذلك واحيانا من شفقتي عليه من الضرب كنت اخفي عن ابوه انه في المنطار واذهب من وراءه لاحضاره وكان قلبي يحترق عندما يضربه ابوه فيرد فارس "والله غير استشهد والله غير استشهد".. وتستطرد ام الشهيد ذهبت مرة الى المنطار وكان الرصاص لا يوصف ومن جزعي وخوفي احتضن اي طفل امامي واصرخ فارس فأفاجأ به يرد "انا مش فارس.. فارس عند الدبابات" ورأيت كل الاطفال فارس فأخذت اصرخ وانادي عليه حتى وجدت ولديّ محمد وجميل فقالا فارس في الامام وجريت نحوه فامسكني شرطي فلسطيني وقال هنا يهود ارجعي انت ستموتي وفارس لن يحدث له شيء لأنه بيقذف الحجر ويدبك ويرقص امامهم يمين وشمال فلا يستطيعون اصابته "فقلت له اريد فارس وتسللت من مزارع الزيتون وكانت اول مرة ارى فارس قريباً من الدبابات وكانت المدافع منصوبة تضرب باتجاه الشباب ووجدت فارس في الامام لا يسمعني وانا انادي بلا وعي كالمجنونة لانه كان جرىئاً بلا حدود وحلف لي جندي فلسطيني ان فارس كان واقفاً وراء عرق شجرة زيتون وكان يضرب بالمقلاع وفر زملاؤه من شدة الضرب وظل هو وراء الزيتونة وكانت قدم الجندي بجواره ولم يره وسألت فارس بعد عودته فقال لو كان معي سكين لقتلته اقول كانوا مائة واحد قتلوك يقول "ولا اخاف يقتلوني".

ويكمل شقيقه محمد الذي كان معه في ذلك اليوم قائلاً: كنا نلقي الحجارة على سيارات الجيب الإسرائيلية والجنود لا ينزلون منها خوفاً من الحجارة لذلك احضروا الدبابات لانها محصنة اكثر ولم نخف وصنعنا زجاجات مولوتوف واحرقنا دبابة. وعند (نتساريم) التي استشهد فيها الطفل محمد الدرة قذفوا المساكن بالطائرات وابي منع امي من الذهاب هناك بسبب شدة القصف وكان فارس يخلع قميصه ويقف عاري الصدر امام اليهود لكي يستطيع الحركة بحرية وكان يهزأ من الجنود ويدبك ولا يستطيعون الامساك به او اصابته لكنه اصيب اكثر من مرة بالغاز.

وبعد استشهاده اعترف قاتله الإسرائيلي وهو من الدروز بضربه بالدبابة برصاص عيار 500مم فقطع اوتار رقبته وظهر على التلفزيون الإسرائيلي وقال انه اطلق النار على فارس من كثرة استفزازه له.

لماذا يضربه والده؟

بادئاً بحمد الله يقول فايق عودة والد الشهيد فارس الذي يعمل في مديرية النقل والصيانة التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية في غزة: فارس هو الشهيد رقم 10في عائلة عودة منذ النكبة سنة 1948ولن يكون الاخير. وهو واحد من ابنائي التسعة 7اولاد وبنتين وله شقيقان فضل ( 19سنة) وكمال ( 21سنة) وكلاهما اصيبا بالحمى في الصغر وصار معاقاً وفارس كان شجاعاً ومناضلاً ونسي حياته ومدرسته ولم استوعب حتى الآن انه غير موجود وانه فقط صور على الجدران

ولقطات من التليفزيونات.

وحاولت كثيرا منعه من الذهاب للمواجهات واحذره أنت لا تعرف اين تصيبك رصاصات اليهود ويمكن ان تقضي حياتك عاجزا ولا تستشهد فيرد.. "والله غير استشهد والله غير استشهد".

ولماذا كنت تضربه؟

لم أكن اضربه خوفا من استشهاده فالشهادة نعمة من الله، واتمنى أن كون مثله ولكن خوفا من رصاصة في ظهره أو قدمه فيقعد كسيحا مثل اخويه فأنت لا تعرف من أين تأتيك الرصاصة لكنه اراد الشهادة ونالها وهي نصيبه.. ومرة أغلقت عليه البيت حتى لا يخرج فقفز من شباك المطبخ بارتفاع ثلاثة امتار ونصف المتر وهرب الى المنطار وكنت اخرج الى العمل واذهب من المنطار، حيث المواجهات، لاحضاره وعندما يراني يعود قبلي ويقول انه كان يلعب الكرة مع اولاد عمه وهم ايضا يكذبون وكلهم كانوا في المنطار "وآخر ما زهقت منه قلت له روح اعمل ما بدك وروح استشهد" ونالها كما اراد.

لم يقل شيئا وتصرف

من وراء أهله

بمشاعرها الملتهبة تعود امه رواية حكاياته قائلة: فارس لم يكن يحكي لي شيئا مما يحدث له عند المنطار أو "نتساريم" وكنت اقول له :يافارس اخوتك الاثنين مشلولين ولا احتمل ان تكون انت ايضا مشلولا فيرد في تحدي "لا تخافي لن انشل".

وذات مرة اطلق الجنود الاسرائيليون النار عليه وحاول شرطي فلسطيني انقاذ فارس عندما اطلقوا النار على رأسه فاحتضنه الشرطي فأصابته الرصاصة في يده واغرقت الدماء ملابس فارس وعندما عاد صرخت وظننت انه اصيب لكنه قال "كنا بنسعف المصابين ولم يحدث لي شيء "ولم اعرف الحكاية الا عندما جاء الشرطي للعزاء في فارس بعد استشهاده.

كان يأخذ ملابس في حقيبة المدرسة ليبدلها قبل عودته من تل المنطار خوفا من ان نرى الدماء على ملابسه او التراب اذا وقع من جراء قنابل الغاز المسيل للدموع وكنت عندما اغسل ملابسه أجد فيها آثار التراب والحجارة وكان يرتدي الملابس النظيفة عندما يعود من المنطار ليثبت لأبيه انه لم يذهب للمنطار وبعد استشهاده احضروا لي قميصا وبنطلونا كان يخبئهما في المدرسة.

تدخل فايق عودة والد فارس في الحديث قائلا: قبل استشهاده باسبوع وجدت زجاجة مياه غازية بها "بنزين" كان يستخدمها في صناعة زجاجات المولوتوف وقلت له سأحرقك بها لكن امه وخالته ابعدتاه عني فقد كنت اخاف عليه بشدة. كان كان "ابن موت" وبعد وفاته وجدنا الزجاجات التي كان يخبئها فوق سطح المنزل..

وتضيف امه.. كان فارس يخبئ زجاجات العصير الفارغة ويشتري بنزينا من مصروفه ليصنع المولوتوف"وفي يوم شكيت فيه وهو نازل وشنطة المدرسة مليئة بالزجاجات فقال "دول لاصحابي" فخفت عليه ومشيت وراءه دون ان يراني، وانزوي وراء شجر الزيتون وقال لزملائه احضرت لكم البنزين والزجاجات ولم استطع التحرك من مكاني وتسمرت قدماي وانا اراهم يصنعون المولوتوف لالقائه على الدبابات الاسرائيلية وبعدها قام الاسرائيليون بتجريف الزيتون في المنطقة التي كان الاطفال يختبئون فيها.

وكان فارس يصنع "المقاليع" و"النبال" التي تستخدم في قذف الحجارة من شجر الزيتون وكان يجيد صنعها يدويا ويحرقها بالغاز لتهذيبها ويشتري من مصروفه الجلد لصناعتها ويخبئها في ملابسه حتى لا أراه وعندما أراه يصنع المقاليع يقول ليس لي بل للأولاد والشباب الذين يقذفون الحجارة وبعد استشهاده وجدته خبأ مقلاعه بين شجر الزيتون وراء البيت.

فارس على الشاشة

وعن قصة ظهوره على شاشة التلفزيون وهو يواجه الدبابات تقول أم فارس: في أحد الأيام جاءتني ابنة عمه في السادسة صباحا وقالت "ماشفتيش فارس امام الدبابة على التليفريون" وقلت لها لا لم أره اذهب كل يوم لاحضاره وانا رأيته قريبا من الدبابة فقالت لي افتحي التليفزيون وكان هو نائما فأيقظته وبكيت وانا اراه على الشاشة امام الدبابات يقذف الحجارة ولا يخاف فتوسل لي ألا اخبر اباه لكنه بعد تصويره سرق من خاله الشرطي لثاما كانت تسلمه لهم قوات الشرطة الفلسطينينة وذلك ليخفي وجهه حتى لا نعرفه اذا تم تصويره.

والمصور الصحافي الذي صوره اسمه عماد عيد واصاب الاسرائيليون سيارته الجيب بصاروخ عند (نتساريم) وقد صور فارس عدة مصورين لكن صورة عماد عيد كانت هي الاقرب وعرفت من فارس ان المصور الذي صوره اصيب بالرصاص عمدا في قدمه وجاءنا هذا الصحافي وهو لم يزل مصابا ليعزينا في فارس وحكى لي قصة فارس مع الدبابات الى جانب ما حكاه لي افراد الشرطة الفلسطينية ورفاقه.

قبل ذهابي لمنزل اسرة فارس التقيت المصور الصحافي احمد جادالله من وكالة (رويترز) الذي اعطاني صورا أخرى لفارس وقال لي: إن كل مصوري الوكالات العالمية والصحف يعرفون فارس والتقطوا له عشرات الصور امام الدبابات الاسرائيلية وفارس كان شجاعا بدرجة تجعلك تشعر بالضآلة امام بطولته فنحن نقف بعيدا ونرتدي واقيات من الرصاص لكنه كان يقترب من الدبابات بشكل جنوني وكان وجوده اننا سنخرج بصورة جيدة.

شادي والاكليل

* ماهي حكايته مع أكليل شادي التي سمعتها من بعض الناس في غزة؟

تقول أم الشهيد كان فارس ( 14عاما) يذهب هو وشادي ( 17عاما) ابن خالته لمناطق المواجهات في المنطار وطاردتهما سيارة جيب اسرائيلية وكادت ان تصدمهم لكنهم دخلوا مصنع السودة واختبأوا فيه ونسفته القوات الاسرائيلية بعد ذلك لأن الشباب الفلسطيني كانوا يختبئون فيه وهو عند المعبر التجاري للقطاع وفي هذا اليوم جاءنا رجل غريب وقال لنا فارس وشادي كانا سيموتان اليوم ويستشهدان مما يفعلانه مع اليهود.

ويكمل جميل شقيق فارس.. قبل استشهاد فارس بيوم واحد استشهد شادي ابن خالتنا وكان جنديا في قوات الأمن الفلسطيني ويعمل في سلفيت بالضفة الغربية وكان ابوه مريضا واجرى عملية جراحية في العمود الفقري وحصل على اجازة لزيارته لكنه كعادته خلع زيه العسكري وارتدى ملابسه المدنية وذهب الى المنطار لقذف الحجارة على الجنود الاسرائيليين ومعه فارس واستشهد شادي في نفس يوم وصوله من الضفة الغربية ولذلك ظل العزاء منصوبا عندنا ثمانية ايام للشهدين اللذين استشهدا في نفس المكان وعلى نفس الحجر.. ويضيف شقيقه: عمه قال له "يافارس شادي استشهد وما حصل شيء" فقال له "ولا واحد يحكي انا لازم اواجه اليهود حتى يخرجوا من بلادنا". وتلتقط امه طرف الحديث قائلة: فارس طلب من خالته اكليل الزهور الذي وضعناه على جثمان الشهيد شادي في الجنازة فأعطته له وانقبض قلبي لما رأيته وسألته لماذا أحضرت الأكليل يافارس فقال: أريد ان اضع صورتي فيه فصرخت "صورة ايه "فقال صورة الشهيد فارس واخذت اتوسل اليه ان يرجع الاكليل الى خالته وقلت له قلوبنا محروقة على ابن خالتك "لا تخوفني" فقال "لا تخافي ياأمي الشهادة حلوة وأنا فداء الأقصى" هو يقول ذلك وانا ابكي واقول له عمرك 14سنة مازالت صغيرا فيقول "لا أنا عمري اكثر من 20سنة وانا بدي أحط صورتي في الاكليل" وفعلا وضعنا الأكليل له في جنازته بعد ان خبأه من والده على سطح المنزل.

وعن يوم استشهاده تقول أمه.. استيقظ فارس مبكرا في السادسة صباحا وقال ياأمي حلمت ان شادي ابن خالتي جاءني في المنام وقال لي "فارس.. فارس" روح على المنطار فقلت له اه بدي آخذ تارك" وتقول أم فارس اخذت ابكي وانا اقول له يافارس الثأرر لن يأخذه الحجر والحجر لن يفعل شيئا امام الدبابة فقال:"والله ياأمي الحجر بيهزهم هز" واقول "الحجر ما بيجيب شيء" يصرحخ.. "لا بيجيب.. لاتقولي ما بيجيب".

وبعد ذلك تحمم ومشط شعره وارتدى ملابس جديدة ولم يرتد ملابس المدرسة التقليدية فقلت له يافارس هذه ليست ملابس المدرسة.. وانت ذاهب للمنطار فاقسم لي انه سيذهب للمدرسة واتجه للباب ثم توقف وعاد ونظر الى وجهي يتأملني وسألته "بدك شيء يافارس".. قال لا.. وفي هذه الاثناء كان زملاؤه ينادون عليه حتى لا يتأخروا عن المدرسة ويدقون جرس البيت لكنه ذهب مرة ثانية الى الباب ثم عاد ينظر اليّ في استغراب وأسأله "بدك شيء يافارس" وهو يرد لا وانقبض قلبي عندما فعلها لثالث مرة وحدثتني نفسي ان شيئا سيحدث اليوم وقبل ان يخرج قال "بخاطرك ياامي" فقلت له "مع السلامة يافارس. أوعى تروح على المنطار" فقال "والله رايح على المدرسة" وكانت اول مرة يقسم انه ذاهب للمدرسة وخرجت مسرعة للشباك فوجدته واقفا يتأمل الدار من الخارج بينما زملاؤه سبقوه الى المدرسة. وكررت عليه يافارس لا تذهب الى المنطار وظللت اراقبه حتى غاب عن عيني لكنه لم يذهب الى الى المدرسة واتجه الى المنطار لقذف الحجارة على الجنود الاسرائيليين ولم يكونوا موجودين في ذلك الوقت المبكر فذهب الى المدرسة متأخرا فسأله المدير اين كنت فقال "كنت اشتري اغراضا لامي" فقال له لا يوجد احد غيرك يشتري الاغراض لأمك فقال له لا فصدقه المدير وادخله المدرسة فسأله فارس هل كتبتوني غياب في الحصة الأولى فسامحه المدير وقال له انت حضور في الحصة الأولى ولا تتأخر ثانية وبالفعل حضر الحصة الثانية والثالثة وبعدها خرجوا للفسحة وكان زملاؤه يلعبون الكرة في هذا الوقت لكن فارس قال لأحد زملائه "تجي معي على المنطار" فرفض وقال انه أمك ستأتي للمدرسة ولن تجدك فستذهب للمنطار فرد عليه فارس "اسمع في اذني من يردد انني سأستشهد اليوم" ورفض زميله ان يذهب معه لكنه ساعده في تسلق سور المدرسة للهرب والذهاب للمنطار وبعد أن قفز من على السور قال لصاحبه اذهب وقل للمدير فارس استشهد.

لحظات استشهاده

بعد دقائق من البكاء قالت أم الشهيد: توجه فارس الى المنطار في التاسعة صباحا بعد الحصة الثالثة وقبل استشهاده بساعة وضربه جندي من الشرطة الفلسطينية بجلدة على ظهره لانه كان يقترب كثيرا من الدبابات وقال له لا تواجه من قرب وابعد، وعن لحظات استشهاده تقول ام فارس: بعد وفاته بأيام وجدت ثلاثة شبان يسألون في الشارع عن دار عودة وقلت لهم انا امه.. فقالوا فارس سبع فارس بطل استشهد وبينه وبين الدبابة اقل من خمسة امتار ولو كان هناك صحافيون لصوروا مشهدا فظيعا لاستشهاده برصاص الدبابة التي طالما تراقص امامها ووصفوا لي لحظات استشهاده بانه اخذ يقذف الحجارة على الدبابة من مسافة قريبة ومن حماسه انخلع حذاؤه فاستدار ليأخذه فأطلقوا النار عليه من الدبابة فأصابوه في عنقه وكان على رشاش الدبابة كاتم صوت لذلك لم يعرف زملاؤه انه اصيب فقال لأحدهم احضر لي حذائى فرد عليه "انا لست مجنونا الحذاء أمام الدبابة تعال بسرعة ابتعد عن الدبابة" فقال لهم انا أصبت فقالوا كذاب يافارس ما سمعنا صوت رصاص ولم يصدقوا الا بعد ان ارتمى عليهم ومال برقبته على الأرض فرأوا مكان اصابته الدماء تسيل على ملابسه وعندما رآه الجندي الاسرائيلي ارتمى بين زملائه وهم يريدون اسعافه اطلق النار عليهم جميعها فانبطحوا ارضا ومعهم فارس وزاد اطلاق النار بشكل مكثف وعشوائي باتجاههم وظل فارس ينزف على الارض ولم يستطيعوا اسعافه وزحفوا بعيدا لكنه لم يستطع لاصابته وظل ينزف على الارض وبعد حوالي ساعة توقف الرصاص فسحبوه وكان فاقد الوعي بلا حراك وحمله احدهم وجرى به على الاسفلت بحثا عن سيارة تنقله لمستشفى الشفاء ولم تكن هناك سيارات اسعاف لأن الوقت كان مبكرا على المواجهات التي تكون مع خروج الطلاب من المدارس.

اتصلوا بي من المنطار وقالوا فارس اصيب فقلت لهم فارس لم يصب اكيد استشهد انا عارفه انه مستشهد اليوم، وقالوا لي اذهبي الى مستشفى الشفاء فجريت الى هناك وقابلت الدكتورة وقالت لي فارس مصاب وتصورت منظره وهو مقعد او مشلول و معاق كأخويه لا يتحرك واخذت ادعو الله واقول الحمد لله واتمسك بالامل ان يظل مصابا حتى ولو معاقا الى جوار اخويه لكن ابدا لم اصدق انه سيعيش معاقا ولكن اليقين في قلبي ان هذا يوم استشهاد فارس لذلك سألت الطبيبة اريحني انا اعرف انه شهيد فقالت سيحتاج عملية لاربع ساعات قلت لها ولو عشر ساعات سأظل هنا في مستشفى الشفاء حتى اطمئن عليه فقالت لي "روحي" فقلت لها لا وجاءني احد الشباب الذين احضروه الى المستشفى وقال لي فارس استشهد في المنطار واحضرناه الى هنا شهيدا ولم ادر بنفسي فقد فقدت الوعي وافقت لأجد نفسي في الدار حيث نقلوني الى هناك.

لم أستطع حمايته من اليهود

وسط دموعها التي جعلت الصمت يسود المكان قالت ام الشهيد: شهران وأنا أجري وراء فارس من المنطار الى (نتساريم) الى (ايريز) الى بيت حانون ولم اصنه ولم احفظه من الموت ولم استطع حمايته من اليهود.. وهل من العدل ان طفلا يقذف حجرا على دبابة فترد برصاص 500مم في رقبته وتقطع شرايينه ويتركوه ينزف حتى الموت في اي عالم نحن وفي اي دولة يحدث هذا غير في فلسطين.

أنا ادعو الله ان كل من ضرب نارا على فارس والاطفال الفلسطينيين تشل يديه وتتحسر امه عليه كما تحسرنا على ابنائنا فأنا كل يوم استيقظ من السادسة صباحا وانزل الشارع اراقب زملاء فارس وهم ذاهبون الى المدرسة وأكاد أجن لأن فارس ليس معهم وانتظر في نهاية اليوم ان يعود معهم وانا لا اتخيل ان فارس الذي كان يملأ البيت ضجيجا ليذهب للمنطار لم يعد موجودا وصار البيت كئيبا من يوم استشهاده وعزائي ان صور فارس وهو يواجه الدبابة في كل بيت فلسطيني بعد أن طبعتها هيئة الاستعلامات الفلسطينية. وقبل استشهاده بأيام قال فارس: "أعملي لي عيد ميلادي" وكان متبقيا على ذكرى ميلاده 14يوما وقال لزوجة خاله: "اعملوا عيد ميلادي هنا او احتفل به في المنطار" وفي يوم ميلاده اذاع التليفزيون الفلسطيني لفارس امام الدبابة الاسرائيلية ولم يحتفل بعيد ميلاده بل احتفلنا باستشهاده في جنازة تحدثت عنها كل فلسطين.

والده يقول له مبروك!

يكمل والده: جاءني ابني سعيد في العمل وقال لي فارس اصيب سألته اين اصابته فقال لي في الرأس وادخلوه غرفة العمليات فقلت له الحمد لله فارس استشهد وذهبت الى مستشفى الشفاء ولم استطع الدخول لرؤيته فعدت الى البيت وبعد الظهر اتصلوا بي للحضور لأخذ بياناتي وعدت للمستشفى وقلت لهم انا والد الشهيد فارس وأريد ان اراه ووجدته مسجى في صالة واسعة وليس في الثلاجة وسألوني تأخذه اليوم قلت لهم لا ان شاء الله غدا لنزفه الى مقبرة الشهداء ودخلت عليه ووضعت يدي عليه وقلت له مبروك عليك الشهادة يافارس أنت قبلتها واردتها وهي اختارتك ياشهيد وودعته وقبلته وقلت السلام عليكم.

 

 
الشهيد فارس عوده
الطفل الشهيد محمد جمال الدرة
الطفل لؤي صبح
الرضيعه ايمان حجو
مجزرة عائله هدى غاليه
الطفل الشهيد محمد البرعي
الشيخ أحمد ياسين
ياسر عرفات
إسماعيل هنية
مروان البرغوثي
الدكتور حيدر عبد الشافي
عبد العزيز الرنتيسي
صلاح مصطفى شحادة
الشهداء الابطال (محمد جمجوم, فؤاد حجازي, عطا الزير
ناجي العلي
أحمد الشقيري
الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي
عملية كمال عدوان
الشهيد يحيى عياش
الشهيد عز الدين القسام
ماذا قال العظماء عن الشعب الفلسطيني
الاستشهاديه دارين أبوعيشة
آيات الأخرس.. عروس بفستان الشهادة
الاستشهاديه ريم الرياشي
الاستشهاديه هنادي
الاستشهاديه وفاء إدريس
كرامات الشهداء في فلسطين قصص واقعية
معلومات تنشر لاول مرة عن الشهداء ابو اياد وابو الهول والعمرى
شهداء جنين
الشهيد القسامي عماد سمير السلقاوي
القائد القسامي عبدالمجيد دودين
أحمد ياسين.. أسطورة صنعت من ضعفها قوةً منحت "حماس" صمودًا وعزيمةً
المهندس السادس وتلميذ العياش البطل القسامي محمد بلاسمة